على الرغم من التغيرات الاقتصادية العالمية التي شملت المعاملات التجارية والاقتصاد كعلم متطور على مر الزمان، إلا أننا نجد أن كثيرا من نقاط ارتكازه القديمة بدأت في الظهور مرة أخرى، لأغراض التفسير والتحليل. من هذه المواقع المهمة منطقة مكة المكرمة كمركز ديني وتجاري برز عبر التاريخ وبالأخص في القرن السادس الميلادي، وذلك من خلال سيطرتها على طرق التجارة المارة في غربي الجزيرة العربية، وعلى تجارة القوافل الغنية في الجزيرة العربية نفسها.

عبر هذا المركز كانت تتم مبادلة البضائع الآتية من الشرق مثل الهند والصين، والآتية من الغرب مثل الحبشة، ومن الجنوب من اليمن، ومن الشمال من الشام والمناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط.

ذهلت مرة بوجود شيء من هذا التوثيق ربطه أحد الباحثين العرب بما جاء في سورة (قريش): «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف»، كتأصيل بديع لإحدى مراحل التجارة في الجزيرة العربية. وهذا يعكس فيما يعكس نظرة الإسلام الإيجابية إلى التجارة والعمل، ومدى تحول مراكز مهمة، كمكة المكرمة والبصرة والحيرة ودمشق وطرسوس والقاهرة وبغداد وسواكن إلى مراكز تجارية عريقة. وليس بغريب أن يعرف العرب تاريخيا بإتقانهم للتجارة، وبقدرتهم على التوسع فيها برا وبحرا، ومهاراتهم في التعامل مع أقاليم بعيدة عن أرضهم. وليس هذا فحسب ولكن سيطروا عبر حقب تاريخية بعيدة على طرق ومراكز تجارية ما زال بعضها يشتهر باسمها العربي القديم.

هذا إن دل فإنما يدل على مدى اتساع التجارة الدولية عند العرب في القرنين الثالث والرابع الهجريين وما بعدهما. ومن الصعب التسليم بارتهان التجارة العربية الآن إلى القوانين التي يصوغها الغرب دون إشراك فعلي للدول العربية والدول النامية ودول العالم الثالث. للمزيد

جميع الحقوق محفوظة 2014 © لمعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة